أبو الليث السمرقندي
482
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ يعني : يتعظون ويتفكرون في توحيد اللّه تعالى . ويقال : معناه لا عذر لأحد في التخلّف عن الإيمان لأن اللّه تعالى قد بيّن طريق الهدى ، وقد بيّن العلامات في ذلك لمن كان له عقل وتمييز . ثم ذكر ما أعدّ اللّه للمؤمنين في الآخرة فقال : لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وهي الجنة وهي دار السلام من الأمراض والآفات والخوف والهرم وغير ذلك . ويقال : لَهُمْ دارُ السَّلامِ فاللّه السلام والجنة داره يعني : دار رب العزة التي أعد لأوليائه بالثواب وَهُوَ وَلِيُّهُمْ أي اللّه تعالى حافظهم وناصرهم في الدنيا . ويقال : هو وليهم في الآخرة بالثواب بِما كانُوا يَعْمَلُونَ في الدنيا . قوله تعالى : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ يقول : واذكر يوم يجمعهم اللّه جَمِيعاً يعني : الجن والإنس . قرأ عاصم في رواية حفص يَحْشُرُهُمْ بالياء يعني : أن اللّه يحشرهم وقرأ الباقون نحشرهم بالنون يا مَعْشَرَ الْجِنِّ يقول لهم يا معشر الجن قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ يعني : قد أضللتم كثيرا من الإنس وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ الذين أضلوهم رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ يعني : انتفع بعضنا ببعض وكان استمتاع الإنس بالجن في الدنيا أن أهل الجاهلية كانوا إذا سافر واحد منهم فأدركه المساء بأرض قفر وخاف بالليل فقال : أعوذ بسيد أهل هذا الوادي من سفهاء قومه ، فأمن ، ولبث في جوارهم حتى يصبح . وكان استمتاع الجن بالإنس أن قالوا : لقد سوّدنا الإنس والجن فيزيدون شرفا في قومهم يعني : فيما بين الجن والإنس . وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا يعني : الموت الذي جعلته أجلنا في هذه الدنيا وهذا قول الكلبي . وقال الضحاك : رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ يعني : خدع بعضنا بعضا عن دينك يعني : أن الجن قد خدعنا وأضلّنا وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا يعني : ما كتبت علينا من الشقاوة قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ يعني : منزلكم وهم الجن والإنس خالِدِينَ فِيها مقيمين في النار إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ قال الكلبي : مشيئة اللّه من كل شيء ، ويقال : إلا ما شاء اللّه البرزخ والقيامة قد شاء اللّه لهم الخلود فيها . ويقال إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ يخرج منها من أهل التوحيد إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ثم قال : وَكَذلِكَ نُوَلِّي يعني : نسلط بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً يعني : كفار الجن على كفار الإنس . ويقال : نسلط بعض الظالمين بعضا فيهلكه ويذله . وهذا كلام لتهديد الظالم لكي يمتنع عن ظلمه . لأنه لو لم يمتنع يسلط اللّه عليه ظالما آخر . ويدخل في الآية جميع من يظلم ومن ظلم في رعيته أو التاجر يظلم الناس في تجارته أو السارق وغيرهم . وقال فضيل بن عياض : إذا رأيت ظالما ينتقم من ظالم فقف وانظر فيه متعجبا . وقال ابن عباس : إذا رضي اللّه عن قوم ولّى أمرهم خيارهم . وإذا سخط اللّه على قوم ولّى أمرهم شرارهم بما كانوا يكسبون ، ثم تلا قوله وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً .